ممارسات في ظل الإبادة الجماعية
الأنظمة العربية: وظيفة بنيوية تتجلّى في الممارسة — الجزء الأوّل من سلسلة تتكوّن من ثلاثة أجزاء
يمثّل هذا المقال الجزء الأوّل من سلسلة تتكوّن من ثلاثة أجزاء، تسعى إلى تفكيك البنية الوظيفية للأنظمة العربية. وتنطلق هذه السلسلة من توصيف ممارسات هذه الأنظمة خلال الإبادة الجارية في غزة، لا باعتبارها انحرافاً أو خيانة أخلاقية، بل بوصفها امتداداً طبيعياً لوظيفتها السياسية.
يتناول الجزء الثاني من السلسلة البنية التاريخية لنشأة هذه الأنظمة، مبيّناً الأسباب البنيوية التي تجعلها تؤدّي وظيفتها الحالية، ولماذا لا يمكنها، بحكم الوظيفة التي أُنشئت لأدائها، أن تكون جزءاً من أي مشروع تحرري.
أمّا الجزء الثالث، فيكشف الركائز الأساسية التي يقوم عليها النظام العربي التابع، ويُظهر لماذا تمثّل غزة، بنموذجها المقاوم، خطراً وجودياً على هذا النظام، ولماذا لا يرى في وجودها إلا تهديداً لا يمكن احتواؤه، لذلك وُجِب إبادتها.
أهدي هذه السلسلة إلى غزة وشهدائها،
وأخص بالذكر الشهيد الناطق باسم الأمة، حذيفة الكحلوت
وأعيد كلماته للتاريخ:
… فإنّ عدوّنا تمدّه أقوى القوى الظالمة في العالم بقوافلَ لا تتوقّف من السلاح والذخيرة، في حين تتفرّج أنظمةُ وقوى أمّتنا على أشقّائهم .. يُقتلون بعشرات الآلاف، ويجوعون .. يا قادة هذه الأمّة الإسلاميّة والعربيّة، ويا نُخبها وأحزابها الكبيرة، ويا علمائها… إنّ رقابكم مثقلةٌ بدماء عشرات الآلاف من الأبرياء الذين خُذِلوا بصمتكم، وإنّ هذا العدوّ المجرم النازي لم يكن ليرتكب هذه الإبادة على مسمعكم ومرآكم إلّا وقد أمِن العقوبة، وضمِن الصمت، واشترى الخذلان…!
ليس انحرافاً ولا إخفاقاً أخلاقياً، بل وظيفة سياسية بنيوية
أين هي الأنظمة العربية؟
ولماذا لا تتدخل لنجدة أهلنا في غزة؟
تساؤلات ظلّت تتردد على مسامع الرأي العام طوال الشهور الماضية، في ظل إبادة مستمرة خلّفت عشرات الآلاف من الشهداء ودمارًا هائلًا طال البشر والحجر. وفي المشهد المقابل، تتكشف ممارسات لا يمكن حصرها في مقال واحد، يتسم بعضها بقدرٍ كبير من الوقاحة السياسية والأخلاقية، ما يستدعي التوقف عندها بوصفها مؤشراً واضحاً على حجم النفاق بين الخطاب والواقع.
فما نشهده اليوم لا يمكن اعتباره انحرافاً سياسياً أو خللاً طارئاً في أداء هذه الأنظمة، بل هو سلوكٌ منهجي يوضّح الدور والوظيفة اللذين تؤديهما هذه الأنظمة في المشهد الإقليمي الجيوسياسي.
مشهدُ إدخالِ النظامِ المصريِّ جرافاتٍ عبرَ معبرِ رفح للبحثِ عن جثثِ جنودٍ إسرائيليين عقب إعلان “وقف إطلاق النار”، جاء في وقتٍ لا يزال فيه أكثر من عشرةِ آلافِ فلسطيني مفقودين تحت أنقاضِ منازلهم المدمّرة، بينما ظلّ المعبر مغلقًا أمام المساعدات الإنسانية والإغاثية. هذا المشهد ليس حيادًا، بل مشاركة مباشرة في حصار غزة، عبر تقديم أولوية أمن الاحتلال على حياة الضحايا الفلسطينيين.
يتكامل المشهد الميداني مع البعد الاقتصادي، فخلال الإبادة أقدم النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي على إبرام أكبر صفقة لشراء الغاز من دولة الاحتلال بقيمة تُقدَّر بنحو 35 مليار دولار، وهو رقم يقارب نصف قيمة الخسائر التي تكبّدها الكيان منذ بداية الحرب الأخيرة على غزّة، تأكيداً على التزام النظام المصري بالاستمرار في تعزيز التبعية الاقتصادية والسياسية.
الإبادة المستمرة لم تمنع النظام الأردني من مواصلة التنسيق الأمني والاستخباراتي مع الاحتلال، بما شمل اعتقال مقاومين وتفكيك خلايا داخل الأردن، ومنع أي محاولة لنقل السلاح أو تقديم دعم فعلي للمقاومة الفلسطينية، في وقتٍ كان فيه المطلوب الحد الأدنى من الإسناد، لا المزيد من القمع. القتل الممنهج للشعب الفلسطيني لم يمنعه من مواصلة الاتفاقيات التجارية و استيراد الغاز الطبيعي والمياه من الكيان. يُظهر ذلك كيف أنَّ الاعتماد على الموارد الطبيعية مُتجذِّر في مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني.

النظامُ القطريّ يقدم نفسه وسيطاً في إبادة غزة، غير أنّ وساطتَه تقتصرُ على إدارةِ ”هدوءٍ نسبيٍّ“ تحت السقف الأمريكي الإسرائيلي دون ممارسةِ أيّ ضغطٍ سياسيٍّ حقيقيٍّ على الاحتلال لوقف الإبادة. حتى المساعداتُ الماليةُ، فتقدَّم بموافقة الأميركي والإسرائيلي، لا لتحريرِ غزة أو تمكينِ المقاومة، بل كأداةٍ لإستكمال الإبادة الناعمة.
خلال الإبادة، عمل النظام السعودي على تطويق المقاومة عبر شيطنتها ووصفها بـ”الإرهاب”، وعزلها دبلوماسيًا وتحميلها مسؤولية الحرب، ما أسهم في نزع التعاطف العربي وتحويل بوصلة الإدانة من الاحتلال إلى المقاومة. وبذلك جرى نزع الشرعية الأخلاقية والسياسية عنها، وتقدّمت دعوات “التهدئة” بما يخدم إنهاء المقاومة لا وقف المجازر. ويندرج هذا الموقف ضمن سياسة أوسع لتفكيك محور المقاومة، وتحويل الصراع من مواجهة مع الكيان الإسرائيلي إلى نزاعات داخلية عربية تحت كذبة “مكافحة الإرهاب”. هذا الخطاب ليس جديدًا، بل هو امتداد مباشر للدعاية الصهيونية التي روّجت لعقود، مستخدمًا الآن من قبل النظام السعودي كأداة رسمية لسحب الشرعية عن أي نبض مقاوم للهيمنة.
دخل النظام المغربي في صفقات تسليح تُقدَّر بمئات ملايين الدولارات مع شركات إسرائيلية كبرى، على رأسها “ألبيت سيستمز”، شملت أنظمة مدفعية متقدمة، ومنظومات دفاع جوي، وطائرات من دون طيار، إضافة إلى شراكات في مجال التصنيع العسكري. اللافت أن عددًا من هذه الصفقات جرى تنفيذُه أو توسيعُه بالتزامن مع الإبادة الجارية في غزة. جاءت هذه الصفقات العسكرية في إطار اتفاقيات التطبيع أبراهام 2020، التي جعلت المغرب إلى أحد أكبر عملاء الصناعات العسكرية الإسرائيلية.
في السياق ذاته، وفي إطار إتفاقيات أبراهام، طبّعت الإمارات علاقاتها مع الكيان الصهيوني على كلّ الأصعدة، لاسيّما الصعيد الأمني والتطبيع استمرّ خلال الإبادة. ربطت تقارير متداولة النظامَ الإماراتي بإنشاء، تسليح ودعم ميليشيات مسلحة كمجموعة “ياسر أبو شباب”، متعاملة مع قوات الاحتلال، نفّذت أعمالًا تخدمه، من قطع طرق المساعدات ونهبها وبيعها بأسعار مرتفعة، إلى تنفيذ اغتيالات بحق مدنيين ومقاومين، والعمل ضد فصائل المقاومة بالتنسيق مع الاحتلال.
في البحرين، وفي سياق ما بعد التطبيع ضمن الاتفاقات عينها، أصدرت المحكمة البحرينية قراراً بسجن المناضل إبراهيم شريف ستة أشهر، بعد توجيه تهم إليه “بإهانة إسرائيل” والتحريض على الضغط الشعبي على الأنظمة من أجل إيقاف حرب غزة ، في رسالة واضحة لكل صوت يحاول كسر جدار التطبيع الرسمي.
أما السلطة الفلسطينية، فحدّث ولا حرج؛ إذ واصلت “التنسيق الأمني“ مع الاحتلال، من اعتقال المقاومين وتفكيك الخلايا، إلى شيطنة المقاومة، في مسعى منهجي لمنع أي ردّ شعبي أو مسلّح على الإبادة في الضفة الغربية دعمًا لغزة.
قبل 7 أكتوبر 2023، كانت الأنظمة العربية تتسابق، واحدة تلو الأخرى، نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني. وتعد اتفاقيات أبراهام الدليل الأوضح على هذا الاتجاه. وكان الرهان الاستراتيجي الرئيسي لإسرائيل منصبًا على النظام السعودي. جاءت العملية العسكرية “طوفان الأقصى“، التي نفذتها المقاومة في غزة، كصرخة لإيقاف عمليات التطبيع. ومنذ ذلك الحين، تم تعليق إبرام اتفاقيات تطبيع جديدة، خاصة مع النظام السعودي.
ومع ذلك، فإن هذا لا يغيّر الواقع: تورط الأنظمة العربية في الإبادة المستمرة، واستمرار علاقاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع الكيان الصهيوني. ما يطرح سؤال حاسم: هل ما نشهده مجرد صدفة؟ عجز؟ خيانة؟ وما الذي يدفع الأنظمة العربية للانخراط في مثل هذه الممارسات؟ هل هي أعمال معزولة، أم نمط منهجي يخدم وظيفة محددة؟
إن الملاحظة العملية تكشف أن ممارسات هذه الأنظمة متكررة ومنتظمة، بما يُسقط عنها فرضية الصدفة. ولذا، فإن فهم هذا السلوك لا يكتمل بمجرد توصيفه أخلاقياً، بل يستدعي تفكيك جذوره البنيوية. فإذا كان الأمر أبعد من أن يكون عجزًا أو خيانة، فنحن إذن أمام وظيفة تأسيسية بنبوية، لا انحرافاً مفاجئاً عنها.
يتبع في الجزء الثاني …



