كيانات تابعة مكتملة الوظيفة منذ النشأة
الأنظمة العربية: تكوين إستعماري وبنية وظيفية تابعة للنظام الإمبريالي — الجزء الثاني
بعد أن كشفنا في الجزء الأول من السلسلة الوجه الحقيقي للأنظمة العربية أثناء الإبادة، تبين أن الأنظمة العربية ليست عاجزة أو مخطئة، بل تؤدي وظيفة منهجية مكتملة. لكن كيف نشأت هذه الأنظمة؟ وكيف تشكّلت هذه البنية الوظيفية التي تجعلها أدوات إبادة وتمكين التبعية؟ في الجزء الثاني، سننتقل من المشهد المعاصر إلى جذور التاريخ، لنسلّط الضوء على نشأة الأنظمة العربية بعد الاستعمار، وكيف صُممت منذ البداية لتكون كيانات تابعة، مكتملة الوظيفة، تحمي مصالح النخبة الحاكمة والتحالفات الإمبريالية، بدل أن تكون أداة تحرر وطني.
مصر بعد كامب ديفيد
مصر الحديثة التي تشكّلت مع ثورة 1952 كانت مشروع تحرر وطني شامل في مواجهة الاستعمار البريطاني، وكانت فلسطين جزءاً بنيوياً من هذا المشروع. شكلت حرب الأيام الستة عام 1967، المعروفة أيضًا بالنكسة، نقطة تحول في تراجع حركة القوميبن العرب، وكسرًا بنيوياً للشرعية التحررية، وبدايةً لمسار تبعية الأنظمة العربية للقوى الخارجية، كما كرست التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وأسهمت فس إدماجه كقوة إقليمية مهيمنة عسكريًّا. أسفرت الحرب عن إحتلال الكيان الكيان الصهيوني على أراضٍ جديدة مهمة، لكنها أدت إلى ولادة حركات المقاومة الفلسطينية؛ الفدائيين.
جاء التحول الحاسم مع اتفاقية التطبيع كامب ديفيد عام 1979، التي أعادت تعريف وظيفة الدولة المصرية. فتمّ إخراج مصر من معادلة المقاومة العربية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وإعادة توجيه النظام من مشروع تحرري قومي إلى دور وظيفي تابع داخل منظومة النفوذ الإمبريالي الغربي. في السياق الذي أعقب كامب ديفيد، جرى تحييد الجيش المصري استراتيجياً، وترسيخ منطق “التنسيق الأمني” الدائم مع الكيان الصهيوني، ما جعل مصر جزءاً من منظومة الحصار المفروض على غزة. وهكذا استُبدلت المواجهة السياسية مع الاحتلال بدور الوسيط، بما يرسّخ واقع الاحتلال والحصار بدلاً من تفكيكه.
هكذا لم تتحول مصر لأنها ضعفت، بل لأنه أُعيد بناؤها كـدولة حدود داخل النظام الإقليمي: من دولة مركزية في مشروع تحرر وطني إلى إلى كيان وظيفي يحرس الحدود ويضبط الجبهة الجنوبية للاحتلال.
الأردن كيان حاجز منذ التأسيس
تأسيس إمارة شرق الأردن جاء في سياق انهيار الدولة العثمانية عام 1920 وإعادة رسم خرائط المشرق العربي تحت الهيمنة الاستعمارية البريطانية والفرنسية. في هذا الإطار، في مؤتمر القاهرة عام 1921، قررت بريطانيا إنشاء كيان سياسي في شرق الأردن، على أن يكون خاضعاً للانتداب البريطاني بصيغة حكم غير مباشر، تُدار فيه السيادة من الخارج، وتُمارس السلطة داخليًا عبر نخب محلية مرتبطة بالمركز الاستعماري.
لم ينشأ الأردن من حركة تحرر وطني أو مشروع سيادي مستقل، بل تشكّل منذ تأسيسه ككيان وظيفي، بقرار استعماري هدفه إدارة الفراغ الجغرافي السياسي المحيط بفلسطين. أي كحاجز أمني يوفر عمقاً استراتيجياً لإسرائيل، ويمنع تحوّل الضفة الشرقية إلى قاعدة مقاومة عسكرية أو شعبية. وفي الوقت نفسه يقوم بدور منطقة عزل، فاصلاً بين العراق وسوريا من جهة، وفلسطين والجزيرة العربية من جهة أخرى، بما يمنع تَشكّل مجال وحدوي ثوري. كما يمثّل ممراً استراتيجياً للنفوذ الغربي يؤمّن خطوط المواصلات والطاقة والتدخل العسكري.
وبعد 1948 و1967 أضيف إلى ذلك دور احتواء الحركة الفلسطينية داخل حدوده، لضبطها ومنعها من إعادة فتح جبهة التحرير من الشرق. منذ أيلول الأسود 1970 حُسمت وظيفة الدولة الأردنية: منع المقاومة داخل الأردن وتحويل فلسطين إلى ملف أمني خارجي. كرّست اتفاقية التطبيع وادي عربة هذا الدور، ليغدو الأردن وسيطاً وحاجزاً. هكذا يؤدي الأردن وظيفته: دولة ضبط ويحوّل الأجهزة الأمنية الأردنية من حماية وطنية إلى أداة تحمي مصالح الاحتلال الصهيوني والبرجوازية الحاكمة.
محميات الخليج
مع تراجع الدولة العثمانية، شرعت بريطانيا منذ القرن التاسع عشر في إعادة تشكيل منطقة الخليج عبر تحويلها إلى منظومة من المحميات السياسية، مستندة إلى سلسلة من المعاهدات العسكرية والسياسية غير المتكافئة. وقد أرسى ذلك نمطًا من الهيمنة المباشرة التي أعادت الولايات المتحدة إنتاجها ووراثتها بعد الحرب العالمية الثانية.
في هذا الإطار، نشأت أنظمة الخليج الحديثة لا بوصفها تعبيرًا عن حركات تحرر وطني أو نتاج صراعات شعبية داخلية، بل ككيانات تشكّلت ضمن سياق استعماري مباشر، وارتبطت وظيفيًا بالنظام الإمبريالي الغربي. تمثلت وظيفتها الأساسية في تأمين تدفقات الطاقة وضمان سلامة الملاحة، ظناً منها أنها بذلك تشتري إستقرارها السياسي والأمني، ضمن معادلة أوسع تهدف إلى الحفاظ على استقرار النظام الرأسمالي الإمبريالي العالمي.
مع اكتشاف النفط، تحولت كيانات الخليج إلى مركز محوري في النظام العالمي، حيث نشأت دول ريعية تتركز فيها الثروة بيد العائلات الحاكمة وبرجوازيات كمبرادورية مرتبطة بالأسواق العالمية. ولم يصبح النفط أساسًا لبناء قوة شعبية منظمة، ولا أداة للتحرر، بل شكّل آلية لدمج الخليج بشكل أعمق ضمن الهيمنة الغربية، ولتكريس تبعيته الأمنية للغرب.
وقد أتاح ذلك للغرب، بقيادة التحالف الأنغلو-أمريكي، الحفاظ على صفقات سلاح مربحة مع دول الخليج الغنية بالنفط، إلى جانب فرض نفوذ سياسي وعسكري عليها. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الكيان الصهيوني كشريك ينبغي تأمين مصالحه في المنطقة.
وبعد الانتفاضات الشعبية العربية عام 2011، تعمّق التحالف الخليجي-الغربي في مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني، حيث أعادت الأنظمة تعريف كل أشكال المقاومة ضده باعتبارها تهديدًا للأمن القومي.
السعودية والفوضى
يتجنب النظام السعودي الدخول في مواجهة مباشرة أو قطع العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي أو القوى الإمبريالية، إذ يتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها جزءًا من سياسة تفاوضية أوسع مرتبطة بالمصالح الإقليمية والدولية، لا كقضية تحرر شعبي. وهو يوازن بين المصالح الإقليمية مع الحفاظ على موقعه دون الدخول في صدام مباشر مع القوى الكبرى.
في الوقت ذاته، لعبت السعودية دورًا محوريًا فيما يُعرف بـ”الفوضى الخلّاقة” في المنطقة، مستخدمة أدوات سياسية وإعلامية ومالية لإعادة تشكيل موازين القوى في دول مجاورة مثل اليمن وسوريا ولبنان ومصر، ما أفرز أنماطًا من عدم الاستقرار القابل للإدارة خارجيًا، تخدم نظامًا ريعيًا إقليميًا متحالفًا مع الغرب بقيادة واشنطن، ويحتل فيه الكيان الصهيوني موقعًا مركزيًا.
على الصعيد الإقليمي، شاركت السعودية في سياسة تطويق أي محور مقاوم وتحويل القضية من قضية تحرر من الإحتلال الإسرائيلي في المنطفة إلى صراعات داخلية بين العرب أنفسهم. كما أعاد خطابها السياسي الرسمي ووسائلها الإعلامية تعريف العدو؛ فبدلًا من اعتبار “إسرائيل” العدو الرئيسي، جرى تصوير حركات المقاومة على أنها “ميليشيات إرهابية”.
بهذا المعنى، لا يعمل النظام السعودي كقوة مواجهة، بل كقوة إدارة للفوضى: تفجير تناقضات داخلية، إعادة توجيه الصراعات، وشيطنة كل مشروع مقاوم، ضمن وظيفة عضوية تتمثل في حماية النظام الإقليمي القائم على الهيمنة الغربية الإمبريالية وضمان أمن أكيان الصهيوني، وبالتالي منع تشكّل أي دينامية تحررية تهدّد هذا النظام.
قطر وسيط تحت السقف الأمريكي
يقدم النظام القطري دعماً إنسانياً وسياسياً مقنّعاً، يمنحه من جهة صورة “المساعد الإنساني”، ومن جهة أخرى يؤدي دور الوسيط في الملفات الإقليمية. غير أن هذا الدور، لا يخرج عن الإطار العام المرسوم له، فهذه الوساطة تجري تحت سقف الإشراف الأمريكي، ولا تتجاوز حدود ما تسمح به واشنطن.
ويأتي ذلك ضمن وظيفة أوسع تتمثل في حماية أمن إسرائيل، الأداة العضوية للمصالح الامبريالية الغربية في المنطقة. لذلك يبقى أي تحرك قطري، سواء كان إنسانياً أو سياسياً، محكوماً بوظيفة تتحرك داخل معادلة إقليمية هدفها النهائي ليس كسر ميزان القوة لصالح الشعب الفلسطينيين وقضيته، بل إدارة الصراع بما يضمن استقرار البنية التي تقوم على تفوق الكيان الصهيوني وأمنه.
الإمارات كنموذج تطبيع كامل
اتخذت الإمارات مساراً يتجاوز بكثير حدود العلاقات “الدبلوماسية” المحدودة مع الكيان الصهيوني، إذ أقدمت على تطبيع كامل تجسّد رسمياً بتوقيع اتفاقية أبراهام (2020)، التي نصّت على إقامة علاقات شاملة مع الكيان، شملت التعاون الاقتصادي، السياحي، والتكنولوجي، إلى جانب فتح قنوات أمنية واستخباراتية مشتركة.
على المستوى الأمني، أقامت الإمارات شراكات مع الكيان في المجالات الاستخبارات، العسكرية، ومراقبة الفضاء الإلكتروني، ما جعلها حليفاً مباشراً له في إدارة الملفات الإقليمية وعلى رأسهم غزة.
وبهذا المعنى، تُعد الإمارات، نموذجاً واضحاً لكيفية توظيف الأنظمة العربية ضمن منظومة الحماية الأمريكية-الإسرائيلية، من خلال إدارة التوازنات الإقليمية، استثمار النفوذ، وضمان “إستقرار” الأنظمة الخليجية على حساب أي مشروع مقاوم فلسطيني.
ختامًا، تتهاوى مقولة “شراء الأمن” التي تعتقد أنظمة الخليج أنها أمِنتها، إذ تقوم هذه الفرضية على وهمٍ استراتيجي يعكس فهمًا سطحيًا لطبيعة موقع هذه الأنظمة داخل البنية الإمبريالية. فالتبعية للاتفاقيات العسكرية والتطبيع مع الحلف الإمبريالي الأمريكي لم تُنتج أمنًا سياديًا، بل عمّقت الاندماج البنيوي لهذه الأنظمة داخل منظومة الهيمنة الخارجية، كأدوات وظيفية وعضوية ضمنها.
لقد كشفت الحرب الإمبريالية الصهيو-أمريكية على إيران، أن الدول العربية مكشوفة ومُدمجة في قلب المصالح السياسية والامنية الاستراتيجية للقوى الامبريالية الغربية، التي تتعامل مع هذه الدول كبنى وظيفية وقواعد عسكرية، تُستخدم لضمان أمن الكيان الصهيوني وترسيخ النفوذ الأمريكي في المنطقة، ما يجعلها جزءًا من المنظومة الأمنية الغربية الإمبريالية.
السلطة الفلسطينية كجهاز ضبط طبقي
نشأت السلطة الفلسطينية كوسيط طبقي مع اتفاقيات أوسلو الاستسلامية (1993)، والتي لم تكن مشروع سلام بل إعادة هيكلة للطبقات الفلسطينية. فقد أدت أوسلو إلى تفكيك الحركة الوطنية الفلسطينية، وتحويل الصراع إلى “نزاع إداري”، مع خلق طبقة جديدة: بيروقراطية أمنية-اقتصادية مرتبطة بحكم يعتمد على المانحين ومنسّق مع الاحتلال، ومندمجة في اقتصاد ريعي قائم على المساعدات، تتوافق مصالحها مع استمرار الاحتلال.
انتقلت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من تمثيل الشعب إلى إدارة “كانتونات” مجزأة، ما أنتج انفصالًا طبقيًا: قيادة تتحول إلى طبقة بحد ذاتها، وسكان يُعاملون كقوة عمل مُراقَبة ومُدارة.
غزة: التهديد العضوي للأنظمة العربية التابعة
في هذا السياق، يتضح أن ما يشهده الرأي العام العربي اليوم من ممارسات هذه الأنظمة ليس خيانة أخلاقية ولا عجزًا سياسيًا، ولا إخفاقًا في أداء دور تحرري، بل هو التزام صارم بالدور الذي وُجدت هذه الأنظمة لتنفيذه منذ لحظة نشأتها. فهذه الأنظمة العربية لم تُنشأ بوصفها مشاريع تحرر شعبي، ولا كاستجابة لتطلعات وطنية جامعة، بل ككيانات وظيفية تخدم أهدافًا محددة ضمن نظام إقليمي تابع للنظام الإمبريالي العالمي.
إنها لم تُنشأ لتحرير الأرض أو حماية الشعوب، بل لحماية مصالح النخب الحاكمة، وضمان استمرارية أنظمة الحكم وتحالفاتها الإمبريالية الدولية، عبر قمع الداخل وشيطنة أي حركة شعبية تحررية. ولم تُنشأ لتحرير فلسطين، بل وُجدت كمحميات استعمارية مرتبطة عضويًا بالنظام الإمبريالي العالمي، تؤدي وظيفة حماية مصالحه في الإقليم، وعلى رأسها الكيان الصهيوني، عبر ضمان أمنه واستمرارية دوره، من خلال الحفاظ على بنيتها الوظيفية نفسها.
ومن هنا، فإن أي أمل في تدخل هذه الأنظمة لإنقاذ غزة هو وهم، وأي انتظار لموقف تحرري منها لا يعني سوى ترك الشعوب تحت رحمة آلة الإبادة.
وإذا كانت هذه هي البنية الوظيفية للأنظمة العربية التابعة، بنية مكتملة وظيفيًا تتحكم في مسار الفعل الإبادي وتعيد توجيهه بما يخدم مصالحها وتحالفاتها الإمبريالية، فإن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: لماذا تشكل غزة تهديدًا وجوديًا لهذه البنية؟
يتبع في الجزء الثالث …



