غزة المقاومة كسر لبنية الدولة التابعة
الأنظمة العربية: بنية مكتملة الوظيفة ضمن منظومة التبعية للمركز الإمبريالي، غزة بنموذجها المقاوم، تضع هذه البنية على المحك
في ضوء الجزء الثاني من السلسلة، يتضح أن الأنظمة العربية صُممت كأدوات وظيفية مكتملة، تحمي مصالح النخب الحاكمة وأمن الكيان الصهيوني، وتعيد إنتاج التبعية للنظام الامبريالي العالمي. لكن غزة، بنموذجها المقاوم، تضع هذه البنية على المحك: فهي تكسر احتكار السلطة والسلاح، تهدد التحالف الطبقي القائم، وتفضح السردية الأمنية التي تقوم عليها هذه الأنظمة. من هنا، يبدأ الجزء الثالث في كشف الركائز الأساسية للنظام العربي التابع، وكيف تشكل غزة تهديد وجودي للبنية بأكملها.

الأنظمة العربية مكتملة الوظيفة، شرعيتها لا تستمد من سيادة شعبية، أو من التحرر الوطني أو من الاستقلال الاقتصادي، بل من قدرتها على أداء دورها داخل منظومة التبعية. يمكن تلخيص ركائز هذه الدولة التابعة في ثلاث دعائم أساسية:
أولاً: التبعية البنيوية العضوية للمركز الإمبريالي
تقوم الدولة التابعة على تبعية عضوية للمركز الإمبريالي الغربي سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، بحيث يصبح استمرار النظام نفسه مشروطًا باستمرار هذه العلاقة مع المركز الغربي. يرفض مهدي عامل فكرة أن الدولة “غير مكتملة” في المجتمعات التابعة، و يؤكد أن الدولة في التشكيلات الكولونيالية جهاز طبقي مكتمل وظيفياً، يعمل بوصفه أداة لإعادة إنتاج التبعية، لا كأداة سيادة وطنية. وينطبق هذا التحليل تماماً على الأنظمة العربية والسلطة الفلسطينية؛ المشكلة لا تكمن في فشلها في تحقيق التحرر، بل في نجاحها البنيوي في أداء وظيفتها المضادة له.
ثانيًا: ضبط الداخل وقمع الجماهير
الركيزة الثانية للدولة التابعة هي ضبط الداخل عبر أجهزة قمع تمنع أي عنف شعبي قد يهدد السلطة. يصف فانون النخب الوطنية الحاكمة في الأنظمة التابعة، وسيط بلا مشروع إنتاجي، يبحث عن دور إداري بيروقراطي داخل البنية الكولونيالية، بدلاً من قيادة مشروع تحرري. وينطبق هذا الوصف تماماً على النخب الحاكمة في الخليج، المغرب، مصر، الأردن أو السلطة الفلسطينية. هذه النخب، كما يوضح فانون، لا ترى في الجماهير قوة تاريخية بل خطراً وجودياً، لأنها تخاف من العنف الشعبي التحرري أكثر مما تخاف من الاستعمار نفسه؛ إذ إن العنف التحرري يهدد وظيفتها وموقعها داخل البنية القائمة.
ويؤكد فانون أنّه إذا لم تنخرط هذه النخب في مشروع تحرري جذري، فهي ستتحول بالضرورة إلى حارس محلي للنظام الاستعماري الامبريالي، مهما رفعت من شعارات السيادة والهوية. يكمل فانون بشرح كيف تتحول النخب الوطنية في هذه الأنظمة إلى وسيط عنيف ضد الطبقات الشعبية. السلطة الفلسطينية مثلاً، ليست مجرد أداة ضبط سياسي، بل جهاز ضبط طبقي داخلي؛ فهي تقمع العمال وسكان المخيمات، تقتل وتعتقل المقاومين، وتحمي مصالح الطبقة المنتفعة من استمرار النظام الاستعماري وتعمل كجهاز لتأمين إستمراره. هذا الدور ليس انحرافاً، بل تعبير مباشر عن بنيتها الطبقية؛ إذ إن أي تغيير حقيقي في وظيفتها يعني تفكيك أجهزتها، خسارة امتيازاتها والدخول في صدام مع الاحتلال، أي نهايتها كنظام. بذلك، تتطابق السلطة مع وظيفتها: جهاز إدارة كولونيالي بواجهة فلسطينية وطبقة مستفيدة من استمراره.
ثالثاً: شيطنة المقاومة وتجريم التضامن
تستكمل الدولة التابعة وظيفتها عبر شيطنة المقاومة وتجريم أي تضامن شعبي معها، بوصفه تهديدًا للأمن والاستقرار. لكنها في الواقع لا تخشى الفوضى، بل تخشى تحوّل التضامن إلى وعي سياسي طبقي يكشف الترابط البنيوي بين قضية فلسطين وبنية الاستبداد والتبعية في المنطقة.
غزة خارج الدولة التابعة
تكشف هذه الركائز أن الدولة التابعة نظام أُنجزت وظيفته التاريخية، لكنه ليس نظامًا محصّنًا. فقد أثبتت غزة أن الجماهير قادرة على تحويل قوتها الشعبية إلى فعل تاريخي تحرري، كاسرة احتكار السلاح والقرار السياسي، وموضعة نفسها فاعلًا مستقلًا خارج مؤسسات النظام الرسمي.
غزة كنموذج مقاوم تهدد احتكار السلطة والسلاح، وتفضح التحالف الطبقي القائم بين النخب الحاكمة والقوى الإمبريالية، كما تكشف زيف السردية الأمنية للأنظمة العربية.
احتكار السلطة والسلاح
تقوم الدولة التابعة، كما حلل مهدي عامل، على احتكار السلطة والسلاح، ليس لمواجهة العدو الصهيوني، بل لحماية التبعية، وضبط الداخل، ومنع أي تحوّل شعبي تحرري. في هذا السياق، ألغت غزة معادلة “السلاح بيد الدولة”، وكَسرت احتكار القرار السياسي، وأعادت تعريف الشرعية بوصفها نابعة من الفعل الشعبي المقاوم لا من الاعتراف الدولي.
يوضح سيف دعنا أن السلطة في هذه الأنظمة ليست فاشلة، بل ناجحة في أداء وظيفتها الأمنية، أي في إعادة إنتاج النخبة وحماية شروط التبعية. وعلى النقيض، أثبتت غزة كيف تتحول الطبقات الشعبية الى فاعل تاريخي، عبر امتلاك السلاح الشعبي، أي حق تقرير المصير.
الأنظمة العربية والنخب الحاكمة لا تخاف من غزة كمساحة جغرافية، بل تخشى أن تتحول غزة الى نموذج يُحتذى به، يُظهر أن الشعب قادر على تقرير مصيره والتحرك السياسي التحرري خارج إطار الأنظمة التابعة.
التحالف الطبقي القائم
في هذا السياق، لا تمثل غزة تهديداً لما يُسمّى “الأمن القومي العربي” فحسب بل تهدد التحالف الطبقي القائم بين النخب الحاكمة العربية، ورأس المال الريعي الكومبرادوري، والمنظومة الإمبريالية العالمية. فهي، خارج اقتصاد الريع والتبعية، على خلاف غالبية الأنظمة العربية، تكشف الخطر الطبقي وتثبت أن التحرر والتحرك السياسي المستقل لا يحتاج إلى طبقة وسيطة تحمي مصالح القوى الامبريالية الخارجية والنخبة المحلية. نموذج غزة المقاوم يشكّل تهديدًا مباشرًا لهذا التحالف، كونه نقطة انكشاف للبنية الطبقية التي تحكم الأنظمة العربية والسلطة الفلسطينية.
والرد على هذا التهديد يأتي إبادياً، فالإبادة في غزة ليست حدثًا منفصلًا عن البنية السياسية العربية، بل هي نقطة انكشاف التحالف الطبقي العربي الإمبريالي والعلاقة العضوية بين الدولة التابعة العربية والنظام الإمبريالي العالمي. ويجب فهم دور هذه الأنظمة في الإبادة بوصفه اختياراً طبقياً واعياً تمارسه الطبقات الحاكمة متحالفة مع الكيان الصهيوني دفاعًا عن مصالحها وشروط بقائها داخل النظام الإمبريالي. تُدار هذه السياسة الإبادية على المستوى الإقليمي، إذ يرتبط استمرار الطبقات الحاكمة العربية عضوياً ببقاء النظام الإمبريالي العالمي ذاته. في المحصلة، يقوم الخليج بتمويل أجهزة الضبط والقمع الضرورية لسحق غزة، إذ لا يرى فيها قضية تحرر، بل تهديدًا بنيويًا للاستقرار الإقليمي الذي يضمن بقاء أنظمته.
إن محميات الخليج تعمل كأطراف فاعلة في إعادة إنتاج التحالف الطبقي الإمبريالي الإقليمي وضمان مصالح النخب الحاكمة العربية على حساب حياة الشعب الفلسطيني. دعمها للإبادة ليس موقفًا عارضًا أو انحرافًا سياسيًا، بل جزء من وظيفة بنيوية تهدف إلى منع أي تجربة مقاومة شعبية، مثل غزّة، من التحول إلى نموذج يُحتذى به على المستوى الإقليمي.
السردية الأمنية للأنظمة العربية
غزة تمثل تحدياً لأنها خارج منطق وحدود كامب دايفيد، أوسلو، وادي عربة، وأبراهام، خارج التنسيق الأمني، وحراسة الحدود. هي النموذج المضاد الذي يثبت أن الشعب قادر على الفعل خارج السلطة. غزة، كفعل ثوري، تكشف زيف الخطاب الإنساني والسياسي للنظام العربي، ولذلك يُرد عليها بعنف إبادي.
الأنظمة العربية والسلطة الفلسطينية ليست مجرد متفرّجة على الإبادة، بل هي جزء من منظومة الإبادة نفسها؛ فهي لا تتدخل لإنقاذ الشعب الفلسطيني في غزة، بل تعمل على استمرارها. دعم الإبادة أو إدارتها عبر خطاب إنساني لا يُعد موقفًا محايدًا، بل يشكّل دفاعًا مباشرًا عن شروط إعادة إنتاج الطبقات الحاكمة ونمط السلطة الذي تمثّله.
معاداة السلطة لغزة ليست بسبب اختلاف سياسي، بل لأنها تفجّر التناقض الطبقي داخل المجتمع الفلسطيني بين من يعيش من أوسلو والتنسيق الأمني ومن يعيش في مواجهته، وهو أخطر ما يمكن أن يحدث لطبقة حاكمة. يوضح سيف دعنا أن السلطة الفلسطينية ليست دولة فاشلة، بل سلطة ناجحة في أداء وظيفتها الأمنية.
خطر غزة لا يكمن في صمودها فقط، بل في كشفها كذبة “العجز” التي تتذرّع بها الأنظمة العربية؛ فهي تظهر أن الجيوش العربية جرى تحييدها وظيفيًا، وأن قرارها لم يعد وطنيًا بل خاضعًا لوظيفة إقليمية ضمن نظام التبعية. الأنظمة العربية لا “تخون” غزة، والسلطة الفلسطينية لا “تنحرف”، بل كل منهما يعمل وفق وظيفته البنيوية.
غزة تهدد شرعية الأنظمة، احتكارها للسلاح، خطابها، بنيتها الطبيقة ووظيفتها الكومبرادورية، تشكل خطراً بنيوياً وتهدد السردية الأمنية للأنظمة العربية أمام شعوبها. لذلك، ممارسات هذه الأنظمة ليس صمتاً، ليس عجزاً، ليس خيانة بل دفاعاً عن وجودها. غزة تمثل تهديدًا وجوديًا للأنظمة العربية لأنها كنموذج يدحض أسس، شرعية وبقاء هذه الأنظمة.
العنف التحرري الشعبي كخيار وجودي
لم يكن ما قاله الشهيد، الناطق باسم الأمة حذيفة الكحلوت، مطالبةً للأنظمة العربية بالتحرك لإنقاذ أهل غزة من الإبادة “لا سمح الله”، بل كان فضحًا لمشاركتهم فيها ولخذلانهم. كان مدركاً أنهم يقومون بوظيفتهم؛ الوظيفة التي ضَمَن الاحتلال تنفيذهم لها على أكمل وجه. فهذه الأنظمة جزءٌ عضويٌّ من آلة الإبادة؛ تؤمّن شروطها، وتحمي مرتكبيها، وتوفّر لها الغطاء السياسي والأمني والإعلامي.
من هنا، يصبح الاستمرار في المناشدة ضرباً من الوهم؛ فالمناشدة تفترض أن هذه الأنظمة أخطأت أو أساءت التقدير، بينما الحقيقة أنها تؤدي وظيفتها كما صمّمت لها. إن السماح لها بالاستمرار يعني القبول بمسح كرامة كل مواطن عربي، وتحويل الشعوب إلى جمهور ينتظر دوره في قائمة الإبادة. فهل ننتظر حتى يحين دورنا؟
لا أمل في أنظمة أُنجزت عبر وظيفتها الكولونيالية، ولا في نخبٍ مستفيدة من موقعها داخل بنية التبعية. الأمل الوحيد يكمن في الشعوب العربية حين تستعيد موقعها الطبيعي في هذا الصراع، لا كجماهير مُستجدية، بل كقوة تاريخية واعية بذاتها. في طبقاتها الشعبية الثورية تحديدًا، بوصفها حاملة الورقة الحاسمة في الصراع: العنف التحرري الشعبي، الورقة التي تُرعب الأنظمة التابعة لأنها تهدّد وجودها ذاته.
فإذا توحّدت هذه الطبقات وتنظّمت سياسياً، تصبح قادرة على كسر التبعية، وانتزاع القرار السياس، والإطاحة بأنظمتها وبالطبقة البرجوازية التابعة التي تتآمر عليها، وتستثمر في قمعها، وتقايض بدمها. هنا فقط تُستعاد السياسة من قبضة السلطة، وتُستعاد الكرامة الانسانية من منطق الإبادة، ويعود الشعب إلى موقعه الطبيعي: صانع التاريخ و التحرر.


